المعرفة المعرفة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

"التشرميل" من الظاهرة الشبابية إلى الظاهرة المجتمعية




سعيد بنيس

يمكن تصنيف "التشرميل" على أنه سلوك إجرامي يقوم به شاب بشكل مُنفرِد، في إطار منطقة محدَّدة تختلِف طبيعتها من مكتظّة بالسكان أو شِبه مُـكتظّة أو مساحة خاوية، لتصيّد الغنيمة أو الضحية. وعادة ما تكون هذه المناطق موزّعة بالاتفاق بين "المشرملين"، لكن الظاهرة لم تصل إلى مرحلة تكوين العِصابات، على غرار ما هو موجود في الولايات المتحدة أو نيجيريا أو البرازيل.

"إن تعبير "تشرميل" مُستنبَط من المطبخ المغربي ويدخل في حقل لفظي إلى جانب مفردات من قبيل "شرمولة" و " تشرميلة" و"مشرمل" ، وهي وصفة دقيقة تتلخص في ملء وطلاء داخل وخارج السّمك أو اللحم أو الدجاج بخلطة من الملح والزيت ومجموعة من التوابل. وبالقياس على هذا الحقل اللفظي و الدلالي، تحيل لفظة التشرميل في المعجم الشبابي على ظاهرة إجرامية تبرز فيها قدرات ومهارات الشاب وإتقانه للحِرفة ليصبح في منزلة "رئيس مطبخ" يتفنن في تقديم الوصفات حيث أن الشاب "المشرمل" يقوم بتوقيف ضحيته وتفتيشها بدِقّة وحرفية للاستيلاء على كل ما تملِكه. 


ومن خلال متابعة كل ما يتعلّق بالظاهرة وما نشر عنها، كتابة أو صورا، بالصحف الورقية أو الإلكترونية أو مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك ويوتوب بالخصوص)، يلاحظ أن أعمار "المُشرملين" تتراوح بين الأربعة عشر عاما و الثلاثينيات، وهو سِن الإحساس بالرجولة أو صناعة البطولة، ومن الملفت أن غالبيتهم قادمون من أحياء تحت خطّ الفقر ويُـعبِّرون عن عدائية ورغبة الإيذاء تُجاه كلّ من يعتقدون أنه يعيش في وضع أفضل منهم. في هذا السياق، يتضِّح أن الشباب الذين يقومون بهذا السلوك، يرومون التعبير عن رغبة إثبات الذات والظهور بمظهر الترف والعيش الرغيد كتعويض على حالة الاحتقان التي يعيشونها إضافة إلى كونهم يقطنون أحياء صفيحية أو في هوامش المدينة ، فينظرون إلى من يسكن العمارات بالأحياء الأكثر "رقيا"، عدوا أو خصما، يعيش أفضل منهم وعلى حسابهم.
كما تجدر الإشارة أيضا إلى ظاهرة كانت سائدة بعدد من المدن المغربية – لم تلقى اهتماما من طرف الرأي العام المغربي والمنابر الإعلامية - وهي قيام بعض الشباب بالتوجّه إلى شوارع المدن الرئيسية، مسلّحين بآلات حادّة ل"تشويه" و "جرح" سيارات "الفئات الميسورة" ، دون أن ينتبه إليهم احد. لذا يمكن استنتاج أن للظّاهرة علاقة برغبة في "البطولة" لدى الشباب، فيما يُحيل النسق المفاهيمي للعبارة ذاتها على الحِرفة "رئيس المطبخ" وعلى الزعامة ليصبح التشرميل مجموعة قدرات ومهارات يقدم الشاب نفسه من خلالها في المواقع الاجتماعية بصفته "بطلا" يحظى بموقع ومكانة اجتماعية، إن كان أمام أقرانه أو أمام الفتيات. لهذا يمكن إعادة تعريف التشرميل على أساس أنه ظاهرة شبابية شبيهة إلى حد ما بظاهرة الرابّ أو عَـبَـدة الشيطان أو الأولترا (ultras) ...
من هذه الزاوية يمكن اعتبار "التشرميل" سلوكا دخل التاريخ عبر فضاءات شبابية مثل ملاعِب كرة القدم، حيث البطولات والنصر و حرية الهتاف والتشجيع الذي يصل إلى التلاسُن والاشتباك والتطاحن الجسدي، مما نمّى ثقافة العُنف والعنف المضاد. كما أن الملاعب الرياضية تتيح هامشا من الحرية يتعدى ويتجاوز أسوار الملعب، ومع الاستمرار في حالة الهيَجان الكُروي يخرج الشباب من الملعب بجُرعة شجاعة زائدة، يمارسون من خلالها كل أنواع "التخريب"، الذي يعتمر بداخلهم، إن كان انتقاما من الفريق الخصْم أو من المجتمع.
في المقابل لعبت وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة في الآونة الأخيرة دورا أساسيا في انتشار ظاهرة التشرميل وتعميمها وانتقالها من ظاهرة شبابية إلى ظاهرة مجتمعية، على أنها كانت ستكون - دون ذلك - كغيرها من الظواهر الشبابية محدودة المكان والزمان. إضافة إلى أن بعض المواقع نشرت صورا لفتيات "مشرملات '' يبدو أنها ليست صورا لفتيات مغربيات أو مأخوذة من مدن مغربية، كما أن الانتقال للحديث عن "المتشرملات"، لا يعدو أن يكون من باب المبالغات، و أن الظاهرة بمحتواها الرمزي لا زالت على الأرجح مجرد ظاهرة افتراضية، لكن يتوخى التحذير من أن يؤدّي استمرارها وعدم الحدّ منها، إلى احتضانها من شرائح شبابية ميسُورة، لتصبح ظاهرة شبابية واسعة، وليست محدودة ومقتصرة على شباب الأحياء الفقيرة، مما سيضفي عليها صبغة "الفوبيا الاجتماعية". وهذا ما أكده استطلاع للرأي قام به أحد المواقع الإلكترونية شمل عينة ناهزت أزيد من 6 آلاف زائر والذي عبر من خلاله 90% من المستجوبين على أن الظاهرة تهدد أمن المغاربة وتشكل خطرا اجتماعيا حقيقيا فيما اعتبر 7 % أن الظاهرة تم تضخيمها وهي ماضية إلى الزوال بينما اختار 3 % من المستجوبين موقف الحياد.
في مقابل الفويبا والخوف الاجتماعيين، اضحت كذلك ظاهرة التشرميل ضربا من ضروب الاغتناء السريع حيت تشكل المواد الاولية للتشرميل تجارة مربحة لا سيما انواع البضاعة القادمة من الصين من قبيل سيوف الساموراي واسلحة أخرى عبر مروجين صينيين في الدار البيضاء او عبر وسطاء مغاربة ينشطون في مجموع التراب المغربي. كما تحولت ظاهرة التشرميل إلى نسق من أنساق التميز الاجتماعي وذلك ما أظهرته وصلة غنائية في شكل فيديو كليب لمجموعة شباب من مدينة فاس تتغنى بالتشرميل نشرت بموقع "كود" بتاريخ 20 أبريل 2014. يظهر المشرمل من خلال كلمات الأغنية بصورة ذلك الشاب “اللي كيضرب ويعطب” و”تحتو لمضا” وهو الذي “ما كيحشم ما كيخاف” و"فالحبس رويجل".
وكرد فعل مباشر وتلقائي، أطلق شاب مغربي وبشكل منفرد حملة "التشرميل الثقافي" لمواجهة "التشرميل الإجرامي" مفادها "أن الغنى الحقيقي الذي يتعين على الشباب أن يتباهى به هو مقدار ما كسبه من علم ومعرفة، وليس طول السيف الذي يلوح به ولا عدد الهواتف التي سرقها أو قصة الشعر التي تعلو رأسه أو اللباس الرياضي الباهظ الثمن وساعة اليد" . كما أن فحوى الحملة تتلخص في التقاط صور للشباب وهم محاطون بما يشكل "غنائمهم" وغناهم الفكري والمعرفي وهم وسط كومة من الكتب والمؤلفات.
بعد هذه التفاعلات الشبابية، انتقل تداول واستعمال لفظة التشرميل من داخل لغة محدودة الانتشار ومحتكرة من طرف شريحة اجتماعية بعينها وهو ما يطلق عليه في علم اللسانيات الاجتماعية « sociolecte » إلى توظيف معمم على جميع نواحي الحياة العامة لتصبح مفردة متداولة من طرف جميع شرائح المجتمع. فظاهرة التشرميل أضحت تباعا ظاهرة مجتمعية لا تقتصر فحسب على الشباب بل امتدت لتشمل حقولا مجتمعية متنوعة. فبرصد بسيط للانزلاق المعنوي للفظة، تحول المصطلح من حقل المطبخ إلى حقل الأحداث الإجرامية ليرسو في أول انتشار مجتمعي له في مرفأ الخطاب السياسي : "التشرميل الحكومي" كمرادف لمعنى "معاداة الشعب المغربي بكل فئاته" وهو ما جاء على لسان أمين عام أحد الأحزاب السياسية في نعته لعمل الحكومة الحالية ليمتد الحديث عن التشرميل الجامعي مع أحداث العنف التي عرفتها مؤخرا جامعة فاس أو التشرميل الرياضي مع ما ترتب من خسائر مادية بعيد انتهاء مقابلات الدوري المغربي في كرة القدم في نهاية الأسبوع.
فمصطلح التشرميل لا يعدو أن يكون فقط ذا حمولة إجرامية بل أصبح كذلك ذا عمق سياسي وجامعي ورياضي في انتظار أن يلج مجالات أخرى مثل الثقافة " التشرميل الثقافي" والصحة "التشرميل الصحي" والتربية "التشرميل التربوي" والاقتصاد "التشرميل الاقتصادي" واللغة "التشرميل اللغوي" والقضاء "التشرميل القضائى وأن يقتحم فضاءات متنوعة مثل الأحزاب "التشرميل الحزبي" والبرلمان "التشرميل البرلماني" والمجتمع المدني "التشرميل المدني" و النقابات "التشرميل النقابي" والقطاعات الوزارية "التشرميل الوزاري" والأسرة "التشرميل الأسري" والتراب "التشرميل الحضري" و "التشرميل القروي"،...
وانطلاقا من تمفصلات مقولة عبقرية التفاعلات المجتمعية والإنتاجية اللغوية (Productivité langagière) كما تبين في حالة بعض المصطلحات مثل مصطلح "الحكرة" الذي غدا لفظة دالة على جميع أنواع اللامساواة المدنية وانعدام العدالة الاجتماعية وانتفاء شروط الكرامة والمواطنة سوف يحيل مصطلح التشرميل مستقبلا على ظواهر مجتمعية تجسد وتأثث لجميع أنواع وأشكال ودرجات العنف وانعدام الأمن كانت مادية أو رمزية، مباشرة أو غير مباشرة، متصلة أو منفصلة، منفردة أو جماعية، حضرية أو قروية، رسمية أو غير رسمية، محلية أو وطنية ليلعب دور "الكلمة الموحدة" (leitmotiv ) في دينامية الفعل الاحتجاجي و الحراكات المجتمعية .
سعيد بنيس: أستاذ العلوم الاجتماعية بكلية الآداب والعلوم الانسانية بالرباط
المصدر: 
http://www.cerss-ma.org/cerss/2014-01-24-00-38-16/notes/259-2014-06-13-16-20-31

عن الكاتب

sociomaroc

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

المعرفة